حيدر حب الله
41
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ( التوبة : 88 - 89 ) ، حيث لم يرد ذكر ( منهم ) فيها ، الأمر الذي يؤيّد عدم إرادة التبعيضيّة هنا أيضاً . لكنّ العلامة الطباطبائي - تبعاً لآخرين - حاول أن يدافع عن تبعيضيّة ( منهم ) في الآية الكريمة ، بمعنى من آمن وعمل صالحاً واستمرّ على ذلك ، بحيث كان مؤمناً من الأوّل مقابل الكافر والمنافق ، وعاملًا بالصالحات مقابل مقترفي المعاصي ، كما يُفهم من آيات الإفك وآية النبأ ، ومستمراً على ذلك مقابل من آمن ثم كفر أو آمن ثم انحرف وعصى . . فهذا هو - فقط - من يشمله الوعد الإلهي المذكور « 1 » ؛ لأنّ ( من ) البيانيّة لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلام العرب ، فتعيّن أن تكون تبعيضيّةً « 2 » . وبمراجعة كتب اللغة لم يظهر ذكرهم لهذا الشرط ، فابن هشام الأنصاري لم يشر إلى ذلك في مغني اللبيب « 3 » ، بل في القرآن إشارة مشابهة قد تصحّح دخول ( من ) البيانيّة على الضمير ، وهي قوله تعالى : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) ( المائدة : 73 ) ، فإنّ ( منهم ) ترجع إلى صدر الآية ، والمفروض أخذ الكفر في عنوانه . وأمّا إرجاعُها إلى مقدّر ، وهو مطلق أهل الكتاب ، فقد لا يبدو منسجماً مع ظاهر اللفظ . ولعلّ الطباطبائي انطلق من كون ما بعد ( من ) البيانية يجب أن يبيّن الجنس ، والمفروض في الضمير أنّه مبهم ، كما أفاده الشيخ البلاغي « 4 » . غير أنّ عود الضمير على ما تقدّم يمكن أن يرفع إبهامه بحسب المآل ، فيكون في قوّة قولنا : عملوا الصالحات من جنس الصحابة ،
--> ( 1 ) انظر : مجمع البيان 9 : 192 . ( 2 ) الميزان 18 : 301 - 302 ؛ والسبحاني ، الأمثال في القرآن الكريم : 254 . ( 3 ) مغني اللبيب 1 : 319 . ( 4 ) آلاء الرحمن 1 : 368 .